حسن الأمين
327
مستدركات أعيان الشيعة
وبعد يومين كانت بيروت نفسها تتنازل فتكلمني : فلما نوديت إلى الهاتف حدست بان الطالب هو بيروت ، وإذا بالمتكلم مدعي عام الاستئناف وقال بأنه يكلمني بلسان الرئيس الأول ألفرد ثابت . واصطلاح الرئيس الأول كان يطلق على رئيس محكمة التمييز ، ولم يكن يومئذ ما اصطلح على تسميته بعد ذلك ( مجلس القضاء الأعلى ) المؤلف من مجموعة قضاة كبار ، بل أن صلاحية هذا المجلس كانت كلها بيد من يسمى ( الرئيس الأول ) لذلك كان ذكر اسمه مخيفا ، لقوة سلطته واتساع صلاحياته ، وكان اسمه أوقع في نفوس القضاة من اسم وزير العدلية ، لأن وزير العدلية ليس بدائم في وزارته فهو يتبدل بتبدل [ الوازارت ] الوزارات وما كان أكثر تبدلها في لبنان . أما الرئيس الأول فهو القابع الدائم فوق كرسيه . . . وطال النقاش بيني وبين مدعي عام الاستئناف ، ولم أتزحزح عن موقفي ، ثم قال : أن الرئيس يريد أن يكلمك بنفسه ، وبدا صوته أول الأمر هادئا حييا ، ولما لم ألن عاد مرتفعا على شيء من الوقاحة ، فارتفع صوتي على صوته ولكن على شيء من التهذيب . ثم أقفل السماعة . وكنت قد حدست بما سيجري فدعوت ضابط الدرك ليكون الشاهد على المحادثة ، وذلك أنه كان للهاتف اليدوي يوم ذاك سماعتان يتكلم المتكلم من إحداهما ويسمع في وقت واحد ، ويضع الثانية على أذنه الأخرى ليكون الصوت أكثر وضوحا ، فأعطيت السماعة الأخرى إلى الضابط فكان يسمع كل ما يقال ، ولما ارتفع صوتي على صوت الرئيس الأول هال الضابط هذا الارتفاع - وهو الموظف المتدرج في وظيفته من رتبة إلى رتبة ، والمعتاد على الانصياع لرؤسائه - هاله أن يرتفع صوتي على صوت الرئيس فاخذ يشدني من سترتي ويقول لي راجيا : طول بالك . . . طول بالك . . . ومنذ ذلك اليوم توقف سيل الضغوط ، ولم أعين جلسة للمحاكمة إلا بعد ورود السجلات العدلية التي كان علينا طلبها من بيروت ، فلما وصلت حددت موعد الجلسة ، وجاء يوم المحاكمة فكان يوما مشهودا في النباطية احتشد فيه الناس ليروا النتيجة بعد أن شاع أمر الضغوط ، كما حضر عدد من محامي بيروت وصيدا للدفاع ، ومما أسفت له حضور من كنت أعتقد أنهم لا يمكن أن يكونوا مدافعين عن الصهاينة . وكان قد مضى على توقيف المدعى عليهم أكثر من شهر ، وكان هذا أكثر ما أستطيع فعله ، ثم أصدرت الحكم على كل واحد من الجميع بأقصى العقوبة وهو ثلاثة أشهر ومائة وخمسين ليرة لبنانية . وكان بين الموقوفين فتى عراقي من آل شماش وهي أسرة من أغنى أغنياء بغداد فلما سمع الحكم أخذ يبكي ، والله وحده يعلم كم تفعل الدموع في نفسي ، وكيف أضعف أمامها وأحنو على أصحابها مواسيا مشاركا ، والله وحده يعلم أي قلب بين جنبي ، قلب ينفعل للمهمومين وينفطر للموجعين . . . ولكن الدمع المترقرق هذه المرة من العيون الصهيونية كان له في نفسي أثر غير الأثر الذي عرفته من قبل ، ولأول مرة في حياتي أجد للدمع مثل هذا الشعور اللطيف ! . . ما ذا ؟ ! أتبدلت إنسانيتي ؟ ! أتحجرت عاطفتي ؟ ! أعدت رجلا غير الرجل الأول الحساس المرهف الحس ؟ ! . أبعد أن كنت أبكي للدموع ، عدت أنا نفسي أثير الدموع ! . وتطلعت في حناياي ، وجلت في أعماقي ، وتلفت في خاطري ، وحدقت في وجداني ، فرأيت أني لا أزال ذاك الرجل العريق في إنسانيته ، الرجل الذي يبكي للباكين ! . الرجل الذي لا يطيق احتمال الدمع في عيني إنسان ، بل يحس وكأنه شهب من نار تنصب على جوانحه ! . وأدركت للتو أن إنسانيتي وحدها هي التي جعلتني أستطيب الدمع هذا النهار ! . وإنني وأنا أفجر الدموع في هذه العيون الصهيونية إنما أحاول أن أحبسها في عيون الألوف من العرب الذين سيبكيهم هؤلاء الأوغاد على أرضهم وأهلهم . وبمجرد صدور الحكم استأنفه المحامون ، فكان علينا أن نرسل المحكومين موقوفين إلى صيدا ، وشاقني أن أتتبع أمرهم . وكان الفصل صيفا ، ورئيس محكمة صيدا وأعضاؤها متفرقون في مصايفهم بسبب العطلة القضائية ، فواحد في بلدة سير الضنية في الشمال وواحد في بلدة روم في الجنوب ، وآخر في البترون ، وبسحر ساحر جمعوهم في نفس اليوم من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب ، فلما اجتمعوا نظروا في طلب إخلاء السبيل المقدم إليهم من المحكومين الموقوفين فقرروا بالإجماع إخلاء سبيلهم فانطلقوا أحرارا يعاودون محاولة الوصول إلى فلسطين ، وقد وصلوا إليها - ولا شك - مع من وصلها . . . وهنا قررت أن أستقيل من القضاء . وبينا أنا أتهيا لتقديم الاستقالة وألملم أوراقي وأستجمع أموري صدر قرار بنقلي إلى محكمة زحلة فانتدبني رئيسها لإشغال محكمة راشيا ، ثم أرسلت استقالتي ولم أنتظر قبولها ، بل تركت العمل بمجرد إرسال الاستقالة . وفي خلال ترددي على راشيا نظمت القصيدة التالية : على القنن الشماء في الثلج نازح تغاديه أبكار الأسى وتراوح وفي التيم من عليا البقاع متيم رمته براشيا الخطوب الفوادح وحط به في لجة البعد والنوى زمان كما يهوى اللئام منافح على التيم تضويني الهموم فاغتدي وفي الصدر من جمر الصبابة لافح وانظر حولي لا حبيب أبثه هواي ولا خل بهمي أصارح لك الله يا قلبي أمضتك صابرا سوانح هم في النوى وبوارح غرام وشوق واضطهاد وغربة أصخر أصم هذه أم جوانح تطلعت أبغي من أحباي نظرة فحالت جبال دونها وأباطح وأشرفت من شم الرعان فهزني لعينيك شوق يا ( هنيدة ) فاضح وأطللت في التيم البعيد فراعني على التيم أني عن ديارك نازح متى تسنح الغيد الحسان استفزني إليك من الغيد الحسان سوانح وإن هبت الأنسام صبحا أثارني إليك من الأنسام في الصبح نافح وإن لاح بدر التم أهفو لأنه بحسنك بدر التم في الليل لائح واستاف أعراف الخزامي لأنها بطيبك أعراف الخزامي فوائح